Monday, 19 December 2016

مفاوضات الامتيازات النفطية العراقية




 مفاوضات الامتيازات النفطية العراقية
بقلم : غانم العـنّاز
 
 

سياسة نفط الحكومة البريطانية النفطية
لقد اثبتت الحرب العالمية الاولى دون اي شك للحكومة البريطانية اعتمادها الكلي على النفط خصوصا الاسطول الحربي الذي كان قد بدأ في عام 1913 بالتحول تدريجيا من وقود الفحم الحجري الى النفط.
لذلك عندما قام كرينوي رئيس مجلس ادارة شركة النفط التركية بتقديم طلبه الى وزارة الخارجية البريطانية للحصول على امتياز للنفط في العراق لاقى ذلك الطلب تأييدا شديدا من قبل الادميرال سليد الذي كان قد كتب في عام 1918 ما يلي :
(لذلك يجب علينا مهما كلفنا ذلك ان نحكم قبضتنا على حقول النفط في الخليج وبلاد ما بين النهرين او اية حقول اخرى قد تكتشف في اراضي الامبراطورية البريطانية كما يجب علينا ان لا نسمح لاي تدخل باي شكل كان من قبل اي مصالح اجنبية مهما كانت مموهة.)   
لقد اصبحت هذه المقولة السياسة الستراتيجية البريطانية للحصول على النفط من منابعه. بناء على ذلك لم تتردد الحكومة البريطانية التي تملك 51% من اسهم شركة النفط التركية بالموافقة على طلب الشركة.
اعتراف العراق بحقوق شركة النفط التركية للتنقيب عن النفط
لقد رأينا ان شركة النفط التركية قد وضعت في اتفاقية عملها الكثير من الاسس التي تريدها في اتفافية امتيازها النفطي لتقوم بعد ذلك باعداد مسودتها الاولى لاتفاقية امتيازها مبنية على تلك المبادئ استعدادا لتقديمها الى الحكومة العراقية. 
وفي نفس الوقت كان المندوب السامي البريطاني سير برسي كوكس قد قدم في سنة 1922 رسالة الى الملك فيصل الاول يوصي فيها باعطاء امتيازا نفطيا الى شركة النفط التركية بناء على ما جاء في رسالة حكومة الامبراطورية العثمانية المؤرخة في 28 حزيران 1914 التي جاء فيها (بان وزير المالية قد وافق على تأجير شركة النفط التركية ترسبات النفط المكتشفة او التي قد تكتشف في المستقبل في ولايتي الموصل وبغداد وانه يحتفظ بحقه في المشاركة في الشركة وتحديد شروطها.)
لم تلاقي تلك التوصية اعتراضا من قبل الحكومة العراقية الفتية التي كانت تحت الانتداب البريطاني لذلك اصبح موضوع شروط الاتفاقية هو الشغل الشاغل للمك فيصل الاول والحكومات المتعاقبة اضافة الى الرأي العام.
لقد كانت الآراء في العراق متفقة بصورة عامة على المبادئ التالية :
- يجب على العراق ان لا يأخذ خلال المفاوضات النفطية بتوصيات الحكومة البريطانية والمشاورين البريطانيون في الحكومة العراقية على علاتها بل يجب مناقشتها والتأكد ملاءمتها للمصالح العراقية المشروعة.  
- على العراق بالرغم من كونه تحت الانتداب البريطاني ان يفرض سيادته واستقلاليته خلال المفاوضات خصوصا فيما يتعلق بالامور التعاقدية والتجارية.
- ان الحكومة العراقية مدركة لعدم الثقة المنتشرة بين الشعب العراقي في نوايا الحكومة البريطانية خصوصا بعد قضائها على ثورة العشرين القريبة الى الاذهان. لذلك يجب على الحكومة العراقية ان تظهر بعض الحزم للحفاظ على حقوق العراق خلال مفاوضاتها النفطية.
-  ان العراق مدرك بان مصير ولاية الموصل لا زال لم يحسم ومدرك كذلك لتهديدات الحكومة البريطانية المبطنة والصريحة في بعض الاحيان بان ذلك يعتمد على حصول شركة النفط التركية على امتياز النفط العراقي بشروط مؤآتية.
- ان العراق بحاجة ماسة الى الاموال اللازمة لاعمار البلد المفقير لذلك يجب الاسراع بالتوصل الى اتفاق معقول لتوقيع اتفاقية الامتياز النفطي.
- كما ان العراق مدرك كذلك بان شركة النفط التركية مهتمة هي الاخرى بالاسراع في الحصول على امتيازها النفطي.
- انه بالرغم من عدم معرفة العراق في ذلك الوقت بالرسالة السرية لمؤتمر سان ريمو التي اعطته حق المشاركة في الشركة بنسبة 20% الا ان مبدأ المشاركة كان على رأس مطالب العراق. 
- ان لا تكون فترة الامتياز طويلة جدا بل يفضل ان تكون في حدود 30 الى 50 سنة.
- يفضل كذلك ان يتضمن الامتياز على انشاء مصفى للنفط.
قامت شركة النفط التركية بعد حصولها على موافقة الحكومة البريطانية بتقديم مسودتها الاولى لاتفاقية الامتياز النفطي الى الحكومة العراقية في 30 آب 1923 مشفوعة بما جاء في رسالة الحكومة العثمانية لعام 1914.
بدأ المفاوضات
كما كانت الادارة البريطانية في العراق قد نصحت الحكومة العراقية بانها لا تملك اموالا تذكر وتحتاج الى صرف ما لديها لاعمار البلاد لذلك يجب ان لا تغامر في المشاركة في الشركة لعدم خبرتها في اكتشاف النفط وتطوير حقوله المحفوفة بالمخاطر والذي يحتاج الى اموال طائلة. لتقوم بابداء النصح بدلا من ذلك ان يكون الامتياز مبني على استلام العراق للريع الثابت الذي سيدر على البلاد الاموال بصورة مستمرة.
قام رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون على اثر ذلك في 5 ايلول 1923 بتشكيل لجنة لدراسة مسودة الاتفاقية تتألف من وزير المواصلات والاشغال ياسين الهاشمي ووزير العدل ناجي السويدي ومستشار وزير المالية البريطاني كولونيل سليتر ومستشار وزارة العدل البريطاني دروير. قامت اللجنة بدراسة المسودة وقدت توصياتها التي اشتملت على ما يلي :
- ان لا تشمل الاتفاقية ولاية البصرة والاراضي المحولة.
- ان تكون مدة الاتافية 60 بدلا من 99 سنة.
- ان تحصل الحكومة على نسبة 20% مجانية من اسهم الشركة.
   لقيت التوصية موافقة مجلس الوزراء العراقي الذي قام باعلام المندوب السامي بمضمون ذلك في 8 ايلول 1923 وعن عدم موافقته على شروط  مسودة الاتفاقية.
قامت شركة النفط التركية على اثر ذلك بتعيين كيلينك كممثل عنها في المفاوضات الذي يأخذ تعليماته من نكولز المدير العام للشركة في لندن الذي يقوم بتقديم تقاريره الى مجلس ادارة الشركة الذي يقوم بدوره باعلام الحكومة البريطانية بذلك. وصل كيلينك الى بغداد في 25 تشرين الاول حاملا معه مسودة معدلة للاتفاقية ليقوم بتقديمها الى الحكومة العراقية في 2 تشرين الثاني 1923.
تم على اثر ذلك تشكيل لجنة جديدة لاجراء المفاوضات تتألف من وزير المواصلات والاشغال ياسين الهاشمي ووزير العدل ناجي السويدي وساسون حسقيل وزير المالية.
جرى بعد ذلك عقد العديد من الاجتماعات  بين الطرفين في بغداد استمرت حتى شهر كانون الاول. لم يستطع الطرفان التوصل الى اتفاق حول عدد من الامور المهمة التي طالب بها الجانب العراقي من اهمها ما يلي :
- مدة الاتفاقية
- عدم وجود برنامج مفصل للحفر
- قيمة الريع
-  حق العراق بالمساهمة في الشركة
- حق العراق بفرض الضرائب
-  ان يكون مكان تسجيل الشركة في العراق.
شكلت وزارة جديدة برئاسة جعفر العسكري بعد ان استقالت الوزارة السابقة لتشكل لجنة جديدة للمفاوضات تتألف من وزير الداخلية علي جودت الايوبي رئيسا وعضوية كل من وزير المالية عبد المحسن شلاش ووزير المواصلات والاشغال صبيح نشأت.
جرت عدت اجتماعات جديدة خلال شهري كانون الاول 1923 وكانون الثاني 1924 طالب فيها ممثل الشركة كيلنك بشدة من الجانب العراقي ان يوافق على مسودته التي جوبهت بالرفض من الجانب العراقي مصرا على ضرورة مساهمة العراق في الشركة وعلى ان يكون مكان تسجيل الشركة في العراق علما بان الجانب العراقي لا زال في ذلك الوقت يجهل مضمون الرسالة السرية الملحقة بمعاهدة سان ريمو.
موقف الحكومة البريطانية من المفاوضات
كان في تلك الاثناء موضوع توقيع الامتياز يناقش من قبل وزارة الخارجية البريطانية ووزارة المستعمرات والمندوب السامي البريطاني وشركة النفط التركية. فقد كان الكل متفق على ضرورة الاسراع في توقيع الاتفاقية ماعدا وزارة الخارجية التي اصرت على ان يؤجل ذلك الى ان يقرر مصير ولاية الموصل حيث ان تركية كانت تطالب بها في ذلك الوقت اضافة الى وجود خلاف بين الشركاء في شركة النفط التركية حول مشاركة الشركات الامريكية فيها.
بناء على ذلك قرر المندوب السامي البريطاني تأجيل المفاوضات من اجل اعطاء الفرصة اللازمة لتهدئة الاوضاع في العراق ليتم توقيع الاتفاقية العراقية البريطانية بسلام. قام على اثر ذلك كيلنك ممثل الشركة في المفاوضات بمغادرة العراق في شهر ايار 1924.
لم تدم وزارة جعفر العسكري طويلا بعد الانتقادات التي وجهت اليها بعد مصادقتها على الاتفاقية العراقية البريطانية فقدمت استقالتها في 24 آب 1924.
استئناف المفاوضات
شكلت بعد ذلك وزارة جديدة برئاسة ياسين الهاشمي الذي ألف لجنة جديد للمفاوضات برئاسته وعضوية كل من وزير المواصلات والاشغال  مزاحم الباجه جي ووزير المالية ساسون حسقيل ووزير العدل رشيد عالي الكيلاني.
استؤنفت المفاوضات في شهر ايلول 1924 بعد رجوع كيلنك الى بغداد. علما بانه قد ظهر خلال هذه الفترة بان الجانب العراقي قد اصبح على علم بمضمون الرسالة السرية الملحقة بمعاهدة سان ريمو التي اعطت العراق حق المساهمة في الشركة. استمرت المفاوضات الرتيبة التي اثبت الجانب العراقي جدارة في ادارتها وتفهما لفقراتها ليبدي اعتراضه على الكثير من بنود مسودة الاتفاقية التي ندرج اهمها ادناه :
-  زيادة قيمة الريع الذي حددته مسودة الاتفاقية ب 4 شلن للطن الواحد من النفط علما ان الباوند الاسترليني يساوي 20 شلن.
- اصراره على ان يكون الريع بالباوند الاسترليني المقيم بالذهب تحسبا لاحتمال انخفاض سعر الباوند في الاسواق العالمية كما حدث خلال الحرب العالمية الاولى.
- مساهمة العراق في الشركة بنسبة 20% كما جاء في الرسالة الملحقة بمعاهدة سان ريمو.
- ان تكون مدة الاتافية 60 بدلا من 99 سنة.
- تعيين ممثل للحكومة العراقية في مجلس ادارة الشركة.
- تقديم الشركة برنامجا مفصلا لعمليات الحفر.
- تقديم الشركة برنامجا مفصلا لخط انابيب تصدير النفط الى البحر الابيض المتوسط.
- الموافقة على الحد الادنى لانتاج النفط.
- الاعتراض على مبدأ الايجار من الباطن للامتياز المؤلف من 24 قطعة التي رأى فيها المفاوض العراقي تجاوزا على سيادة الدولة.
- تحبيذ مبدأ المساحات الواسعة على القطع الصغيرة لما في ذلك من تعقيدات كثيرة.
- حق العراق في رفض تحويل الامتياز الى جهة ثالثة.
- ان تعود منشآت الشركة خارج العراق الى الدولة العراقية بعد انتهاء مدة الامتياز.
- ان تخضع الشركة لدفع ضرائب الاستيراد.
- حق العراق في فرض الضرائب.
- ان يكون مكان تسجيل الشركة في العراق.
مساهمة العراق في شركة النفط التركية
كان هناك خلافا في الرأي بين وزارة الخارجية البريطانية ووزارة المستعمرات حول مساهمة العراق في الشركة. فبالرغم من ان وزارة الخارجية تفضل عدم مساهمة العراق في الشركة الا انه لم يكن بامكانها الموافقة على ذلك بناء على النص الصريح في الرسالة الملحقة باتفاقية سان ريمو التي اعطت العراق ذلك الحق. اما وزارة المستعمرات فقد كانت ميالة الى عدم مساهمة العراق في الشركة. كما ان وزارة الخارجية كانت تريد استمرار المفاوضات الى ان يقرر مصير ولاية الموصل بينما ارادت وزارة المستعمرات التعجيل بذلك ليستمر الضغط على الحكومة العراقية.
اما هنري دبس المندوب السامي البريطاني فكان من المؤيدين لرأى وزارة المستعمرات كما انه كان يميل الى قيام الحكومة البريطانية بالضغط على الحكومة العراقية لقبول مسودة اتفاقية شركة النفط التركية. كما انه قام بنفس الوقت ببذل الجهود لاقناع الحكومة العراقية بقبول مسودة الاتفاقية وعدم الاصرار على المساهمة في الشركة اضافة الى محاولته اقناع الحكومة بان مصير ولاية الموصل وموافقة الحكومة البريطانية على استقلال العراق قد يتوقف على توقيع تلك الاتفاقية.
ومع كل ذلك فقد كان هناك قناعة تامة من كل من الحكومة البريطانية وشركة النفط التركية باحقية وشرعية مطالبة العراق في المساهمة في الشركة.
وفد عصبة الامم ومصير ولاية الموصل
في هذه الاثناء كانت عصبة الامم قد ارسلت لجنتها لاستطاع الرأي حول تقرير مصير ولاية الموصل التي يطالب بها كل من العراق وتركية. وصلت اللجنة الى بغداد في 16 كانون الثاني 1925 لتبقى هناك عدة ايام قبل سفرها الى الموصل. لقد ظهر خلال تلك الزيارة بان اللجنة ميالة الى اعطاء الموصل الى العراق كما كان ذلك متوقعا من الحكومة البريطانية ذات النفوذ الدولي الكبير في ذلك الوقت. ثم تاكد ذلك الرأي في تقرير اللجنة الذي صدر في 25 كانون الاول 1925 الذي جاء فيه بان اللجنة قد وجدت بان الغالبية من سكان الولاية يؤيدون الانضمام الى العراق ليلقى التقرير موافقة عصبة الامم النهائي ويسدل الستار على ذلك الموضوع الذي طال انتظاره.  
لقد قضى قرار عصبة الامم  بانضمام الموصل الى العراق على تحفظات وزارة الخارجية البريطانية ليعطى ذلك زخماما كبيرا للمفاوضات التي استطاعت التغلب على معظم الخلافات بين الحكومة العراقية وشركة النفط التركية ليبقى الخلاف مسعصيا حول مساهمة العراق في الشركة.
الاقتراح باعطاء العراق حق المساهمة في الشركة
ومع استمرار مطالبة العراق بالمساهمة في الشركة فقد اقترحت الحكومة البريطانية على شركة النفط التركية كحل لهذا الموضوع الشائك القبول بمساهمة العراق بنسبة 20% من اسهم الشركة مجانا على شرط ان لا يكون لتلك الاسهم حق التصويت في مجلس ادارة الشركة حول سياسات الشركة المهمة المتعلقة بالميزانية والاستكشاف والحفر والانتاج والتصدير وما الى ذلك من القرارات المهمة. وبما ان تلك الاسهم سوف تخول العراق الحصول على 20% من ارباح الشركة لذلك يجب تخفيض قيمة الريع المعروض والبالغ 4 شلن للطن الاحد من النفط تبعا لذلك. وافقت الشركة على ذلك الاقتراح حيث انها كانت قد اخبرت اللجنة العراقية في المفاوضات من قبل بان اصرارها على المساهمة في الشركة يستوجب تخفيض قيمة الريع. غير ان الشركة اخرت تقديم ذلك الاقتراح المهم الى الجانب العراقي كورقة اخيرة في يدها للضغط عليه لتصفية بقية الامور الاخرى المعلقة.
موقف الملك فيصل الاول    
اما المندوب السامي البريطاني هنري دبس الذي كان على علم بقبول شركة النفط التركية بمبدأ مساهمة العراق في الشركة فكان يقدم للملك فيصل النصيحة بالتخلي عن المطالبة بالمساهمة والقبول بمبدأ الريع الذي سيكون مصدرا مضمونا للاموال اللازمة لاعمار العراق.
الملك فيصل الاول
 اما الملك فقد كان تحت ضغوط متضاربة ومستمرة فهو تحت ضغط من قبل الادارة البريطانية في العراق وتهديها باعطاء الموصل الى تركية وبين انتشار التذمر بين الاحزاب والرأي العام من وضع العراق تحت الانتداب وسيطرة الحكومة البريطانية على مقدرات البلاد من خلال مستشاريها المنتشرين في الوزارات وبقية دوائر الدولة. كما انه كان يعرف بان الوقت بدأ يقترب من موعد الانتخابات النيابية التي قد تزيد من تعقيد المفاوضات.
هذا اضافة الى ان الملك كان على علم بقلة موارد الدول المالية والحاجة الملحة لموارد جديدة لاعمار العراق. كما انه كان يلاقي ضغطا اضافيا من قبل الحكومة البريطانية وادارتها المحلية في العراق بضرورة الحصول على موارد مالية جديدة لتخفيف الاعباء المالية التي تتحملها بريطانيا من تواجدها في العراق.
توقيع اتفاقية امتياز النفط بين الحكومة العراقي وشركة النفط التركية
كل ذلك دفع الملك فيصل والحكومة العراقية بحسن نية الى القبول اخيرا بنصائح المندوب السامي البريطاني وتخويل وزير المواصلات والاشغال مزاحم الباجه جي بتوقيع اتفاقية الامتياز النفطي مع شركة النفط التركية الذي تم في 24 آذار 1925 دون احتوائها على مبدأ المساهمة في اسهمها. علما بانه قد اضيفت فقرة جديدة في الاتفاقية اعطت الجمهور العراقي الحق في المساهمة بشراء اسهم الشركة في حالة عرض مثل تلك الاسهم للبيع للحمهور في المستقبل. لقد كانت تلك الفقرة صورية وتجميلية لا قيمة لها كترضية للحكومة العراقية حيث ان شركة النفط التركية كانت على علم اكيد بانه سوف لن يجري عرض اسهمها للبيع للجمهور مستقبلا.
استياء عام من توقيع الاتفاقية
 لقد نتج عن توقيع الاتفاقية التي حرمت العراق من حقه المشروع بالمساهمة في الشركة استقالة وزير العدل رشيد عالي الكيلاني ووزير المعارف محمد رضى الشبيبي من منصبيهما. كما يجدر بالذكر ان وزير المواصلات والاشغال مزاحم الباجه جي كان قد قدم استقالته في بداية الامر الا انه قام بسحبها لاحقا.
ان توقيع الاتفاقية بدون حصول العراق على حق المساهمة في الشركة كان قد لاقى ايضا شجبا وتذمرا من قبل الاحزاب والرأي العام في ذلك الوقت كما انه اصبح موضوع غضب واستياء لا ينسى عبر العقود التالية ليس فقط من قبل الشعب العراقي بل من قبل بعض الحكومات العراقية المتعاقبة.
كما انه من الجدير بالذكر بان حرمان الدول المنتجة للنفط من المساهمة في الشركات النفطية لم يكن لينسى عبر السنين من قبل تلك الدول التي استمرت بالمطالبة به الى ان اثمرت تلك الجهود في عام 1972 عندما وافقت شركة ارامكوالسعودية على مشاركة الحكومة السعودية بنسبة 20% من اسهمها. كما ان الحكومة السعودية تمكنت بالرغم من معارضة الشركة القوية من الحصول على تلك الاسهم مقابل قيمتها الدفترية. لقد اتحقق مبدأ المشاركة هذا بعد حوالي نصف قرن من مطابة العراق به لينتشر بسرعة بين بقية الدول المنتجة كالكويت والامارات العربية المتحدة وقطر وغيرها.
اما العراق الذي كان اول من طالب بمبدأ المشاركة فلم يأبه بذلك حيث انه كان في ذلك الوقت من عام 1972 قد قرر تأميم شركة نفط العراق المحدودة الذي اعلن عنه في 1 حزيران 1972.

بنود اتفاقية امتياز النفط لعام 1925
اما اهم بنود هذه الاتفاقية المسهبة فهي :
- ان قيمة الريع اربعة شلنات (ذهب) للطن الواحد من النفط قابلة للتعديل بعد 20 سنة. (علماً بان الجنيه الاسترليني الواحد يحتوي على عشرين شلناً وان الطن الواحد يحتوي على 7.578 برميل وان البرميل يحتوي على 35 غالون بريطاني).
- ربط قيمة الريع بارباح الشركة على ان لا يقل عن 2 شلن ولا يزيد عن 6 شلن (ذهب) للطن الواحد على ان لا تطبق هذه الفقرة الا بعد مرور 20 سنة على الاتفاقية.
- للجمهور العراقي الحق في المساهمة بشراء ما لا يزيد عن 20% من الاسهم التي قد تقوم الشركة بعرضها للبيع للجمهور في المستقبل.
- مدة الاتفاقية 75 سنة.
- للحكومة العراقية الحق في فرض ضرائب على الشركة مساوية لتلك التي تفرضها على بقية الشركات الصناعية العاملة في العراق.
- للشركة الحق خلال 32 شهرا من اختيار 24 قطعة من الاراضي مساحة كل منها 8 اميال مربعة للتنقيب عن النفط والقيام باعمال الحفر فيها.
- للحكومة العراقية الحق بعد مضي 4 سنوات في اختيار 24 قطعة ارض مشابهة لعرضها بالمزاد للشركات الراغبة بالتنقيب عن النفط فيها.
- التزام الشركة بمد خط انابيب لتصدير النفط بعد فترة لا تزيد عن 4 سنوات من استكمالها الاستكشاف في قطع اراضيها.  
- قيام الشركة قبل مضي 3 سنوات على توقيع الاتفاقية باستخدام خمسة ابراج تعمل في نفس الوقت في عمليات حفر الآبار.
- تتعهد الشركة بتقديم كافة الخرائط الجيولوجية للحكومة عند الطلب.
- تعمل الشركة كوكيل للحكومة العراقية في عرض قطع الاراضي في المزاد.
- تتعهد الشركات الاخرى التي قد تحصل على امتيازات بالالتزام بنفس الشروط والواجبات التي تطبق على الشركة ولها الحق في استعمال نسبة معينة من خط انابيب تصدير النفط التي ستقوم شركة النفط التركية بمده. 
- تتعهد الحكومة العراقية بتقديم التسهيلات اللازامة للشركة في ادارة اعمالها وتشغيل منشآتها.

اكتشاف الذهب الاسود
لقد كانت شركة النفط التركية خلال الاشهر الطويلة من المفاوضات وما بعدها منهمكة في الاعمال الاستكشافية المكثفة لتحديد المواقع التي سيتم الحفر فيها اضافة الى اقامة قاعدة عمل لها في منطقة سليمان بيك بالقرب من مدينة طوز خورماتو القريبة من كركوك. فقد تم خلال تاك الفترة استيراد ابراج الحفر والمعدات والمواد الكثيرة الاخرى اللازمة للمباشرة باعمال الحفر. كما تم استقدام الخبراء والمهندسين وغيرهم وتعيين الكتبة المهنيين والعمال المحليين وانشاء المكاتب والمخازن واماكن السكن والمطاعم وغيرها من الخدمات الضرورية لهم.
فقد تمت المباشرة بحفر البئر الاولى في منطقة بلكانة في 24 نيسان 1927 بحضور الملك فيصل الاول ليتبع ذلك المباشرة بالحفر في اربعة مواقع اخرى قبل ان يباشر بحفر البئر السادسة في منطقة بابا كركر القريبة من النار الازلية بالقرب من مدينة كركوك في 30 حزيران 1927.
استمر الحفر في بئر كركوك خلال اشهر الصيف والخريف دون توقف ليصل الى عمق 1521 قدما عندها توقف الحفر لانزال بطانة للبئر بقطر 10.75 عقدة وضخ الاسمنت لتثبيها في مكانها. استؤنفت اعمال الحفر في منتصف ليلة 13/14 من شهر اتشرين الثاني فلم يمض الا وقت قصير على ذلك الا وبدأ النفط بالتدفق في الفضاء بضوضاء مخيفة الى ارتفاع 140 قدما ليغطي اعلى البرج.
انفجار البئر الاولى في حقل كركوك في 14 تشرين الثاني 1927
وصف انفجار البئر
لقد وصف الجيولوجي المسؤول عن الحفر وليامسون ما حدث كما يلي :
(جرى الحفاربسرعة الى موقع المراجل لاطفاء النار هناك وعند الصباح وجدنا السماء مغطاة بسحابة من الغاز والرذاذ وكان النفط يجري كالنهر في وادي النفط القريب. وفي الساعة الثانية من بعد الظهر وجدنا انبوب الحفر الطويل والثقيل جدا يندفع من 
.البئرمنقذفا خلال برج الحفر بضوضاء رهيبة 
النفط يجري كالنهر الصغير في وادي النفط في 14/10/1927
مرت ثلاثة ايام قبل ان يتم غلق الصمام الرئيسي للبئر لنجد الاراضي التي حولنا مشبعة بالنفط بعمق يصل الى عدة عقد وان النسيم الذي يهب حولنا كان مشبع برذاذ النفط كذلك. اخبرنا الرجال الذين قدموا الينا بان زجاجات سياراتهم بدأ تغطى برذاذ النفط على بعد عشرة اميال من موقع البئر. لقد قام احد المهملين باشعال ثقابة على بعد نصف ميل من البئر ادت الى حريق رهيب تم اطفاءه بسرعة بتغطيته بالتراب ليتم بعد ذلك تشديد الحراسة باستمرار لتفادي نشوب اي حريق في المستقبل.لقد تم عمل سدود ترابية في وادي النفط لحصر النفط ومنعه من التقدم لمسافات بعيدة ولو حدثت امطار في تلك الفترة لجرفت مياهها آلاف الاطنان من ذلك النفط في طريقها الى نهر دجلة لينتج عن ذلك كارثة رهيبة. نعم لقد كنا محظوظين  جدا في تلك البئر).   
اما النفط المتدفق في الفضاء والضوضاء الرهيبة التي رافقته فقد احدثت قلقا وخوفا شديدين بين اهالي مدينة كركوك فقد قال احدهم :
 (بالرغم من ان النفط لم يكن غريبا علينا فقد قمنا بجمعه من التسربات في المنطقة منذ آلاف السنين الا ان اندفاعه العنيف والضوضاء الرهيبة التي رافقت ذلك اضافة الى الغازات السامة المنتشرة في الهواء قد جعلت بعض الناس يعتقدون بان ذلك كان عقابا من رب العالمين لكثرة ذنوبهم.)   
لم يكن بالامكان غلق الصمام الرئيسي للبئر الا بعد مرور ثلاثة ايام من انفجارها اي في يوم 17 تشرين الاول لتتم بذلك السيطرة على تدفق النفط. لقد اثبت الفحوصات في الايام القليلة التي تلت ذلك بان النفط كان يتدفق بمعدل يقدر بحوالي 90,000 برميل باليوم ليغطى المنطقة الواسعة حول البئر بكاملها ويأخذ مجراه الى وادي النفط. هذا وقد تم غلق البئر بعد اكمال الفحوصات اللازمة في يوم 23 من ذلك الشهر بانتظار تطوير الحقل. لقد اثبتت تلك البئر بما لا يقبل الشك العثور على حقل عملاق متميز بكل معنى الكلمة.  
هذا ومن الجدير بالذكر ان تلك البئر تقع على مسافة قصيرة لا تزيد عن بضع مئات من الامتار عن موقع النار الازلية الشهيرة التي كان يتسرب اليها الغاز عبر العصور من ذلك الحقل والتي كانت تدور حولها التكهنات والخرافات حتى ذلك الوقت.
اما اخبار الاكتشاف فقد اعتبر حدثا كبيرا تصدر الصفحات الاولى من الصحف العالمية والمحلية فقد قامت جريدة التلغراف اليريطانية بنشر مقالة مطولة من مراسلها في بغداد عن ذلك في يوم الاثنين 18 تشرين الثاني 1927 اقتطفنا منها ما يلي :
(- لقد اكتشفت شركة النفط التركية النفط في العراق. ففي الساعة الثالثة من صباح يوم 14 تشرين الاول وبدون اي سابق انذار تدفق النفط في الهواء بمعدل قدر بحوالي 5,000 طن كل 24 ساعة.
- لقد كانت هناك مؤشرات كثيرة تدل على وجود النفط في العراق فكان على الجيولوجيون الذين ارسلتهم شركة النفط التركية التحقق فيما اذا كان هناك كميات كبيرة منه تستوجب انشاء مصفى له او مد خط انابيب لتصديره الى البحر الابيض المتوسط. لقد اصبح مد خط الانابيب الآن ممكن التحقيق.
- ان هذا الاكتشاف ذو اهمية كبيرة للعراق من الناحية التجارية ويبشر بازدهار باهر للبلاد. فان العراق لن يحصل على اموال الريع فقط بل على فوائد كثيرة اخرى غير مباشرة. فقد نصت اتفاقية الامتياز على ان تكون هناك نسبة عالية من المستخدمين في اعمال الشركة من العراقيين مما سيخفف من حدة البطالة في البلاد.
 – لقد كانت التمور تمثل المادة الرئيسية للصادرات العراقية غير ان هذه التجارة بالرغم من توقع استمرارها بالانتعاش عليها الان ان تقبل في احتلال المركز الثاني بعد النفط.) 
اما شركة النفط التركية فقد قامت على اثر اكتشاف حقل كركوك بايقاف عمليات الحفر في بعض المواقع الاخرى وتحويل بعض ابراج الحفر منها الى حقل كركوك للاسراع في عملية تقييمه وتطويره. كما انها قامت بالتخطيط لتطوير الحقل بانشاء الطرق ومحطات ضخ المياه وتوليد الطاقة الكهربائية وبناء المكاتب والدور السكنية وغيرها وشراء المعدات اللازمة لبناء محطات عزل الغاز ومجمع تركيز النفط ومحطات الضخ وخزانات النفط العملاقة ومد خطوط انابيب التصدير وغيرها من المنشآت الحيوية الاخرى.
الغاء اتفاقية امتياز النفط لعام 1925
لقد رأينا بان احد بنود اتفاقية 1925 ينص على ان للشركة الحق خلال 32 شهرا من اختيار 24 قطعة من الاراضي مساحة كل منها 8 اميال مربعة للتنقيب عن النفط والقيام باعمال الحفر فيها. وبهذا يكون آخر موعد لتنفيذ هذا البند شهر تشرين الثاني 1927. لم تستطع الشركة الالتزام بتنفيذ هذا البند فقامت بطلب تمديده سنة اخرى لاكمال تحرياتها فوافقت الحكومة العراقية على ذلك.
اما الاسباب الحقيقية لعدم  قيام الشركة باختيار قطع الاراضي المطلوبة بموجب هذا البند فهي :
-  لقد ارادت شركة النفط التركية التأكد من مصير ولاية الموصل المتنازع عليها بين العراق وتركية. فقد تأخر ذلك بانتظار تقرير لجنة عصبة الامم الذي صدر في 25 كانون الاول 1925 لصالح العراق وما تلاه من تخطيط الحدود بين البلدين في شهر تموز 1926. لقد ادى ذلك الى قيام الشركة بالتأني وعدم الاستعجال في عمليات الاستكشاف والحفر الباهضة التكاليف وبالتالي الى تأخر المباشرة باعمال الحفر حتى منتصف عام 1927 واكتشافه اخيرا في كركوك في 14/10/1927.
 - لقد ظهر للشركة بان حقل كركوك يغطي مساحات كبيرة تزيد بكثير عن مجموع مساحات عدد قطع الاراضي المخصصة لها في الاتفاقية والبالغ 192 ميلا مربعا.
- كما ادى اكتشاف النفط في حقل كركوك الى تعزيز احتمال وجود حقول نفطية اخرى في المنطقة مما جعل مبدأ القطع الذي قد يضع مثل تلك الحقول في ايدي شركات منافسة اخرى ويهدد بذلك تطلعات الشركة المستقبلية للاستحواذ عليها.
- وجود خلافات داخلية بين الشركاء في الشركة التي لم يتم حلها الا في عام 1928 عند توقيع اتفاقية العمل لشركة النفط التركية التي تم فيها الاتفاق على استبدال اسم شركة النفط التركية بشركة نفط العراق اعتبارا من شهر تشرين الاول 1928.
المفاوضات الجديدة
استمرت شركة النفط التركية بالتلكؤ باختيار قطع اراضيها حتى عام 1928 لتقوم بتقديم طلب  الى الحكومة العراقية بمنحها خمس سنوات اضافية لتمكينها من استكمال جمع المعلومات واعداد الدراسات اللازمة عن حقل كركوك.
لقد كان من حسن حظ الحكومة العراقية خلال تلك الفترة تلقيها في عام 1928 عرضاً مغرياً من شركة انماء النفط البريطانية المدعومة برؤوس اموال بريطانية وايطالية والمانية والتي اصبحت تدعى فيما بعد بشركة نفط الموصل.
فقد طلبت تلك الشركة من الحكومة العراقية اختيار قطعها ال 24 كما جاء في اتفاقية عام 1925 لتستطيع تقديم عرضها للحصول على امتياز بذلك. كما قامت الشركة في نفس الوقت باشعار الحكومة العراقية بانها على استعداد لمد خط سكة حديدية من العراق الى البحر الابيض المتوسط المشروع الذي طالما طالبت به الحكومة العراقية وقوبل بالرفض من قبل شركة النفط التركية. كما ان الشركة ابدت استعدادها للقبول بمبدأ الايجار السنوي المطلق للاراضي التي ستخصص لها.
لقد كان ذلك العرض الذي تقدمت به شركة انماء النفط البريطانية احسن بكثير مما جاء في اتفاقية شركة النفط التركية لعام 1925 ليعطي بذلك قوة تفاوضية اكبر للحكومة وليشجعها على رفض طلب الشركة التي اصبحت تسمى بشركة نفط العراق بمنحها خمس سنوات اضافية. لقد ادى رفض الحكومة ذلك الطلب الى الغاء اتفاقية امتياز شركة النفط التركية لعام 1925 وفتح الباب امام مفاوضات جديدة بين الجانبين.
اهم اهداف الحكومة العراقية
لقد حددت الحكومة اهم اهدافها الرئيسية من الاتفاقية الجديدة بما يلي :
- الحصول على واردات نفطية لا تقل عن مبلغ معين بغض النظرعن كميات النفط التي سيتحقق انتاجها.
- اعتماد مبدأ جديد بحصول الحكومة على ايجار مطلق مشابه لعرض شركة انماء النفط البريطانية.
- موافقة الشركة على تحديد موعد معين لمد خط الانابيب لتصدير النفط الى البحر الابيض المتوسط.
- تأكيد مبدأ الحق في فرض ضرائب على الشركة مساوية لتلك التي تفرضها على بقية الشركات الصناعية العاملة في العراق كما جاء في اتفاقية عام 1925.
- تشييد مصفى للنفط او تعهد شركة نفط العراق بتزويد البلاد باحتياجاتها من المنتجات النفطية باسعار مخفضة.
اهم اهداف شركة نفط العراق
اما اهم اهداف شركة نفط العراق فكانت كما يلي :
- الغاء مبدأ اختيار قطع الاراضي الصغيرة بعد توقيع الشركاء على اتفاقية الخط الاحمر واكتشاف حقل كركوك العملاق والحصول بدلا من ذلك على اكبر مساحة ممكنة من الاراضي.
- الغاء مبدأ حق الحكومة في فرض ضرائب على الشركة.
- بذر الشكوك في قدرات شركة انماء النفط البريطانية المالية والفنية والادارية لتثبيط همة الحكومة من اعطائها امتيازا لاكتشاف النفط.
دخلت الحكومة العراقية وشركة نفط العراق في مفاوضات جديدة كان الجانب العراقي عندها قد اكتسب خبرة جيدة في فن المفاوضات اضافة الى قوة موقفه بعد حصوله على عرض شركة انماء النفط البريطنية الذي يفوق بكثير ما جاء في اتفاقية 1925 مع شركة نفط التركية. لذلك كانت المفاوضات معقدة ومطولة ابلى فيها الجانب العراقي بلاء حسنا.
لقد تمكن الطرفان اخيرا من الغلب على كافة بنود الاتفاقية الجديدة استثناء نقطتين اساسيتين الاولى مسار خط انابيب التصدير الى البحر الابيض المتوسط الذي كان موضوع خلاف ليس بين الشركاء فقط بل بين الحكومة والشركة. اما النقطة الثانية فكانت حول حق الحكومة في فرض ضرائبها على الشركة.
مسار خط انابيب تصدير النفط
لقد كانت كل من الحكومة البريطانية والحكومة العراقية تفضلان انتهاء خط انابيب تصدير النفط في فلسطين. فقد كانت الحكومة البريطانية تهدف من ذلك الى ابقاء الخط تحت سيطرتها من خلال مروره عبر البلاد التي تحت انتدابها. اما العراق فلم يحبذ مرور الخط عبر سوريا التي كانت تحت الانتداب الفرنسي الذي كان السبب في خلع الملك فيصل عن العرش في سوريا عام 1920. 
بينما كان الفرنسيون لا يثقون بالحكومة البريطانية لذلك ارادوا الخط ان يمر عبر مناطق انتدابهم في سوريا. اما مجموعة الشركات الامريكية وشركة شل وكوبنكيان فوقفوا على الحياد بالرغم من كون المسار عبرسوريا هو المفضل لديهم من الناحية الاقتصادية. اصر كل من الجانبين على موقفه ليمسي الخلاف مستعصياً الى ان اصبح اي تأخير اضافي سينعكس على موعد انجاز الخط في الوقت المحدد له مما تطلب في آخر الامر اتخاذ قراراً مستعجلا يرضي الطرفين.
وبناء على ذلك فقد اقترح الشركاء من مجموعة الشركات الامريكية حلا وسطا بمد خطين للانابيب ، بدلا من خط واحد الاول يلبي طلب الحكومة البريطانية وينتهي في حيفا والثاني يلبي طلب الحكومة الفرنسية ليمر عبر سوريا وينتهي في طرابلس وذلك بالرغم من الكلفة العالية لهذا الاقتراح الذي حظي اخيرا بموافقة كافة الشركاء في شركة نفط العراق.
 حق الحكومة العراقية في فرض الضرائب
بالرغم من موافقة شركة نفط العراق في اتفاقية 1925 على القبول بمبدأ حق الحكومة في فرض ضرائب على الشركة مساوية لتلك التي تفرضها على بقية الشركات الصناعية العاملة في العراق الا ان الشركة كانت قد اعادت النظر بذلك. فقد بدأت الشركة تشعر بان عدم تحديد تلك الضرائب وقيمتها قد يجعل الشركة عرضة لفرض ضرائب باهضة قد تكلفها مبالغ طائلة عبر العقود الطويلة المقبلة.
اما الحكومة العراقية فقد شعرت بان اي تحديد لقدرتها على فرض الضرائب امرا مرفوضا باعتباره تدخلا في سيادة الدولة وحقها المشروع في فرض الضرائب مما سيعرضها للانتقاد من قبل البرلمان والاحزاب المعارضة والصحافة.
استمرت المفاوضات لمدة تقارب الثلاث سنوات خلال فترة حكومة توفيق السويدي التي استقالت في آب 1929 ثم خلال فترة حكومة عبد المحسن السعدون الذي انتحر في13 تشرين ثاني 1929 واخيرا خلال فترة حكومة نوري السعيد التي تشكلت في شهر آذار 1930.
وعندما صلت المفاوضات الى طريق مسدود قررت الحكومة بذل جهود اضافية للتغلب على هذا الخلاف فقامت في 7 حزيران 1930 بتخويل رئيس الوزراء نوري السعيد الذي سيقوم بزيارة لبريطانيا بحث الموضوع هناك من اجل التوصل الى صيغة مقبولة للطرفين أضافة الى وضع اللمسات الاخيرة لبعض الامور المعلقة الاخرى.
جرت المفاوضات في لندن في جو اكثر ايجابية ليتم الاتفاق من حيث المبدأ على ما يلي :
- ان تحدد الاراضي الخاصة بالامتياز الجديد بالاراضي الواقعة شرق نهر دجلة وشمال بغداد.
- قيام شركة نفط العراق بدفع ايجار مطلق وقرض لحين المباشرة بتصدير النفط.
- توفير منتجات نفطية رخيصة للسوق العراقية على ان تتجاوز قيمتها على 100,000 باوند استرليني بالسنة.
- استعداد العراق للتخلي عن مبدأ حقه في فرض الضرائب مقابل مبلغ سنوي مقطوع.
نوقشت المبادئ التي تم الاتفاق عليها في لندن من قبل مجلس الوزراء ليتم تشكيل لجنة للمفاوضة برئاسة نوري السعيد وعضوية كل من وزير المواصلات والاقتصاد مزاحم الباجه جي ووزير المالية رستم حيدر ووزير العدل جمال بابان.
بدأت المفاوضات الجديدة في بغداد في شهر كانون الثاني 1931 ليبقى موضوع المبالغ الواجب دفعها للحكومة مقابل التخلي عن حقها في فرض الضرائب مستعصيا. فقد طلبت الحكومة اخيرا بان يكون المبلغ نصف مليون باوند استرليني في السنة. اما الشركة فقد اقترحت في 8 آذار ان يكون البلغ 60,000 باوند استرليني عن الاربعة ملايين طن الاولى من النفط و 20,000 باوند استرليني عن كل مليون طن اضافي من النفط.
استمرت المفاوضات ليتم اخيرا التوصل الى اتفاق مرض للطرفين وهو بان تقوم الشركة بدفع 9,000 باوند استرليني (ذهب) سنويا ابتداء من عام 1932 لغاية المباشرة بتصدير النفط و 60,000 باوند استرليني  (ذهب) سنويا عن الاربعة ملايين طن من النفط الاولى و 20,000 باوند استرليني عن كل مليون طن اضافي من النفط.  لاقت الاتفاقية الجديدة معارضة شديدة من قبل حزب الاخاء الوطني الذي يقوده ياسين الهاشمي والحزب الوطني العراقي الذي يقوده جعفر ابو التمن.
كما لاقت الاتفاقية انتقادا شديدا من قبل اعضاء البرلمان رشيد عالي الكيلاني وعلي جودت الايوبي وياسين الهاشمي الذين قدموا استقالتهم من البرلمان اضافة الى قياموزير المواصلات والاشغال وعضو لجنة المفاوضات مزاحم الباجه جي بتقديم استقالته من الوزارة.
قدمت الاتفاقية الى مجلس النواب لتلاقي معارضة شديدة قبل ان تتم المصادقة عليها لترسل بعد ذلك الى مجلس الاعيان لتلاقي نفس الانتقادات قبل ان تتم المصادقة عليها ليقوم مجلس الوزراء اخيرا بالمصادقة عليها في 24 آذار لتصبح نافذة المفعول اعتبارا من تاريخ 29 آذار 1931.
اتفاقية الامتياز النفطي بين الحكومة العراقية وشركة نفط العراق لعام 1931
اما اهم بنود الاتفاقية الجديدة فهي :
- الغاء مبدأ قطع الارض الصغيرة.
- ان تكون الاراضي المخصصة للامتياز الجديد تلك التي تقع شرق نهر دجلة وشمال خط عرض 33 درجة والتي تبلغ مساحتها حوالي 32,000 ميل مربع.
- تبقى قيمة الريع اربعة شلنات (ذهب) للطن الواحد من النفط دون تغيير.
- تقوم الشركة بدفع 9,000 باوند استرليني (ذهب) سنويا ابتداء من عام 1932 لغاية المباشرة بتصدير النفط و 60,000 باوند استرليني  (ذهب) سنويا عن الاربعة ملايين طن الاولى من النفط و 20,000 باوند استرليني عن كل مليون طن اضافي من النفط.
- قيام الشركة بدفع 400,000 باوند استرليني (ذهب) سنويا الى ان يتم تصدير اول شحنة من النفط على ان يكون نصف ذلك المبلغ ايجارا مطلقا غير قابل للرد والنصف الآخر قرض يتم تسديده من مبالغ الريع السنوي التي تزيد قيمتها عن 400,000 باند استرليني.
- تتعهد الشركة بان تكون عائدات النفط الحكومية السنوية خلال العشرين سنة الاولى من تاريخ التصدير 400,000 باوند استرليني كحد ادنى بغض النظر عن مستوى الانتاج.
- تقوم الشركة بمد خط انابيب تصدير النفط بطاقة سنوية لا تقل عن ثلاثة ملايين طن بحلول نهاية عام 1934.
  - تكون مدة الامتياز70 سنة بدلا من 75 سنة.
- تقوم الشركة بتامين احتياجات العراق من المشتقات النفطية باسعار محددة.
- يتم تعديل قيمة الريع زيادة او نقصانا بعد فترة 20 سنة من بداية انتاج النفط بنسبة مساوية لارباح الشركة خلال الخمس سنوات الاخيرة من تلك الفترة عما كانت عليه خلال ال 15 سنة الاولى على ان لا تزيد قيمة الريع عن 4 ولا تقل عن 2 شلن للطن الواحد.
-  للجمهور العراقي الحق في المساهمة بشراء ما لا يزيد عن 20% من الاسهم التي قد تقوم الشركة بعرضها للبيع للجمهور في المستقبل. 
وبهذا يمكن القول بان الحكومة العراقية قد تمكنت من تحقيق كافة اهدافها ما عدا مبدأ حقها في فرض الضرائب على الشركة. كما يمكن القول كذلك بان الشركة قد استطاعت تحقيق اهدافها المهمة.